ابن الأثير

645

الكامل في التاريخ

وبذلا عنه ، تقرّبا إلى خزانة السلطان ، مالا جليلا ، فأجاب السلطان إلى توليته ، لما يعلمه من كفايته لما يليه ، فأحضره وولّاه البلاد كلّها ، وكتب منشورة بها . وسار فبدأ بالبوازيج ليملكها ويتقوّى بها ويجعلها ظهره ، لأنّه خاف من جاولي أنّه ربّما صدّه عن البلاد ، فلمّا دخل البوازيج سار عنها إلى الموصل . فلمّا سمع جاولي بقربة من البلد خرج إلى تلقّيه ومعه جميع العسكر ، فلمّا رآه جاولي نزل عن فرسه وقبّل الأرض بين يديه ، وعاد في خدمته إلى الموصل ، فدخلها في رمضان ، وأقطع جاولي الرّحبة وسيّره إليها ، وأقام بالموصل يصلح أمورها ، ويقرّر قواعدها ، فولّى نصير الدين دزداريّة القلعة بالموصل ، وجعل إليه سائر دزداريّة القلاع ، وجعل صلاح الدين محمّدا أمير حاجب ، وبهاء الدين قاضي قضاة بلاده جميعها ، وزاده أملاكا ، وأقطاعا ، واحتراما ، وكان لا يصدر إلّا عن رأيه . فلمّا فرغ من أمر الموصل سار عنها إلى جزيرة ابن عمر ، وبها مماليك البرسقيّ ، فامتنعوا عليه ، فحصرهم وراسلهم ، وبذل لهم البذول الكثيرة إن سلّموا ، فلم يجيبوه إلى ذلك ، فجدّ في قتالهم [ 1 ] ، وبينه وبين البلد دجلة ، فأمر الناس ، فألقوا أنفسهم في الماء ليعبروه إلى البلد ، ففعلوا ، وعبر بعضهم سباحة ، وبعضهم في السفن ، وبعضهم في الأكلاك ، وتكاثروا على أهل الجزيرة ، وكانوا قد خرجوا عن البلد إلى أرض بين الجزيرة ودجلة ، تعرف بالزّلّاقة ، ليمنعوا من يريد عبور دجلة ، فلمّا عبر العسكر إليهم قاتلوهم ومانعوهم ، فتكاثر عسكر عماد الدين عليهم ، فانهزم أهل البلد ، ودخلوه ، وتحصّنوا بأسواره ، واستولى عماد الدين على الزّلّاقة ، فلمّا رأى من بالبلد ذلك ضعفوا ، ووهنوا ، وأيقنوا أنّ البلد يملك سلما ، أو عنوة ، فأرسلوا يطلبون الأمان ، فأجابهم إلى

--> [ 1 ] قتالها .